محمد علي باشا وحكم مصر
مقدمة
يُعدّ محمد علي باشا (1769–1849) من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ مصر الحديث، حتى لقّبه كثيرون بـ«مؤسس مصر الحديثة». وُلد في مدينة قوله بمقدونيا لأسرة ألبانية الأصل، وعمل في التجارة ثم في الجندية. وصل إلى مصر عام 1801 ضمن القوات العثمانية التي جاءت لإخراج الحملة الفرنسية، ثم صعد بسرعة في ظل الفوضى التي أعقبت رحيل الفرنسيين.
الطريق إلى الحكم
بعد خروج الفرنسيين كانت مصر ساحة صراع بين العثمانيين والمماليك والجنود الألبان. أدرك محمد علي مبكرًا أهمية كسب تأييد الشارع المصري وزعمائه، فتقرّب من علماء الأزهر وزعماء الشعب، وفي مقدمتهم السيد عمر مكرم. وفي عام 1805 اجتمع العلماء والأعيان وعزلوا الوالي خورشيد باشا، واختاروا محمد علي واليًا على مصر. وأقرّ السلطان العثماني هذا الاختيار بفرمان.
ثبّت محمد علي أقدامه بنجاحه في صدّ حملة فريزر البريطانية عام 1807 عند رشيد. وفي مارس 1811 دعا زعماء المماليك إلى احتفال بالقلعة، وقضى عليهم في ما عُرف بـ«مذبحة القلعة». أنهت هذه الحادثة أقوى قوة منافسة له، وخلا له الحكم. وتخلّص لاحقًا من نفوذ الزعامات الشعبية، وأبعد عمر مكرم عن القاهرة.
الإصلاح الاقتصادي والزراعي
قام مشروعه على بناء دولة قوية ذات موارد ثابتة تموّل جيشًا حديثًا. وأهم إجراءاته:
إلغاء نظام الالتزام: ألغى نظام الملتزمين الذي كان يحتكر جباية الضرائب، وجعل الأرض تحت سيطرة الدولة، وأجرى مسحًا شاملًا للأراضي الزراعية بين عامي 1813 و1814.
الاحتكار الحكومي: احتكرت الدولة شراء المحاصيل وتسويقها، وتحكمت في الأسعار.
القطن طويل التيلة: أُدخلت زراعته في عشرينيات القرن التاسع عشر، وصار أهم محصول نقدي في مصر ومصدر ثروتها الأول لعقود.
الري: حُفرت الترع وجُددت الجسور، ومنها ترعة المحمودية (1820) التي ربطت القاهرة بالإسكندرية، وبدأ مشروع القناطر الخيرية.
الصناعة والجيش
أنشأ محمد علي صناعات ومصانع للنسيج والسكر والأسلحة والسفن، وأسس ترسانة الإسكندرية لبناء أسطول حربي. غير أن هذه الصناعات اعتمدت على السخرة والاحتكار، وضعفت كثيرًا بعد معاهدة بلطة ليمان التجارية عام 1838 التي فتحت السوق أمام السلع الأوروبية.
أما الجيش فقد بنى «النظام الجديد» على أساس التجنيد الإلزامي للفلاحين المصريين، مستعينًا بخبراء أوروبيين، أشهرهم الضابط الفرنسي سليمان باشا الفرنساوي. كان ذلك تحولًا كبيرًا في تاريخ مصر، إذ دخل المصريون الجيش بعد قرون من احتكاره من غيرهم.
التعليم والثقافة
أدرك محمد علي أن الدولة الحديثة تحتاج إلى كوادر متعلمة، فأنشأ المدارس الحديثة، ومنها مدرسة الطب (قصر العيني) عام 1827 بإشراف الطبيب كلوت بك، ومدارس الهندسة والألسن والزراعة. وأرسل بعثات علمية إلى فرنسا وغيرها، وكان من أبرز أفرادها رفاعة الطهطاوي الذي أسس لاحقًا مدرسة الألسن وحركة الترجمة. وأنشأ مطبعة بولاق التي طبعت الكتب العلمية والترجمات.
التوسع الخارجي
استخدم محمد علي جيشه وأسطوله في حملات عدة:
الحجاز: أرسل بطلب من السلطان العثماني حملة على الدولة السعودية الأولى (1811–1818) بقيادة ابنيه طوسون وإبراهيم، وانتهت بإسقاط الدرعية.
السودان: فتحه بدءًا من عام 1820، وأُسست مدينة الخرطوم.
المورة (اليونان): شارك في إخماد الثورة اليونانية، وانتهى الأمر بتدمير أسطوله في معركة نافارين عام 1827.
الشام: قاد إبراهيم باشا حملة ناجحة (1831–1833) وانتصر في قونية، وبلغ الجيش المصري مشارف الأستانة، فأُقرّ لمحمد علي بحكم الشام بموجب صلح كوتاهية.
الصدام مع أوروبا
استأنفت الدولة العثمانية القتال عام 1839، فانتصر إبراهيم باشا في نصيبين. غير أن الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا، رأت في قوة محمد علي خطرًا على التوازن الدولي وعلى طريق الهند. فانتهى الأمر بمعاهدة لندن عام 1840، ثم فرمان 1841 الذي:
اعترف لمحمد علي وأسرته بحكم مصر وراثيًا، وأعطاه السودان إدارةً،
وأعاد الشام إلى العثمانيين،
وحدّد الجيش المصري بنحو 18 ألف جندي.
الوجه الآخر للتجربة
لم يكن بناء الدولة الحديثة بلا ثمن. فقد انتقد المؤرخون:
ثقل التجنيد والسخرة والضرائب على الفلاحين، وما أدّى إليه من هروب وتمرد في بعض المناطق،
حكمه الفردي المطلق وإقصاءه الزعامات الشعبية،
الاحتكار الذي أضرّ بالتجار والحرفيين،
اقتصارَ التعليم على خدمة الجيش والدولة، وتعيينَ الأتراك والشراكسة في المناصب العليا.
ويرى مؤرخون آخرون أنه أسّس البنية التحتية للدولة المصرية الحديثة: جيشًا وإدارة وتعليمًا واقتصادًا، وأن إنجازاته أكبر من أخطائه في ظروف عصره.
النهاية والإرث
أُصيب محمد علي في سنواته الأخيرة بالاضطراب العقلي، فتولى ابنه إبراهيم الحكم نيابةً عنه عام 1848، لكنه توفي في العام نفسه قبل أبيه. ثم توفي محمد علي في الإسكندرية عام 1849، وخلفه حفيده عباس الأول. وبقيت الأسرة العلوية في الحكم حتى قيام ثورة 1952 وإعلان الجمهورية.
خاتمة
يبقى محمد علي شخصية مثيرة للجدل: بنى دولة قوية ومشروعًا نهضويًا طموحًا، لكنه فعل ذلك بحكم مركزي صارم وعلى حساب الفلاح المصري. وما زالت ملامح مصر الحديثة، من الإدارة والتعليم والجيش والزراعة التجارية، تحمل بصماته.






